أفغانستان ولغز صعود طالبان وتنظيم ملة إبراهيم | التقارب نيوز
أفغانستان ولغز صعود طالبان وتنظيم ملة إبراهيم

أفغانستان ولغز صعود طالبان وتنظيم ملة إبراهيم
بقلم
د هبة جمال الدين
مدرس العلوم السياسية- بمعهد التخطيط القومي وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية
باستيلاء طالبان على حكم أفغانستان ساد العالم حالة من الذهول والدهشة وعجز البعض عن قراءة المشهد، بل غالي البعض في التطرف بقراءة غريبة للمشهد ،وكأن تنظيم طالبان أول مرة يدخل أفغانستان، وكأنه كان بعيدا عن الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية. والبعض بدأ يحلل وكان أشرف غني –رئيس أفغانستان السابق- كان رئيسا فعليا للدولة. أيها السادة سأطرح بعض المغالطات التحليلية التي تبعدنا عن قراءة المشهد بدقة:
– طالبان يهدد النفوذ الصيني خاصة مبادرة الحزام والطريق: هل تعلمون يا سادة أن الصين حينما أعلنت عن المبادرة كانت تعلم بوجود طالبان وتعلم بوجود تنظيم القاعدة وتعلم أن قارة آسيا بها العديد من الجماعات الإرهابية، ولكنها قررت البدء في المبادرة الكونية وكانت أفغانستان من أولي الدول التي تنظر لها الصين بحكم الجغرافيا علي الأقل حيث تشترك معها في 76 كم. وفي 2019 بدأت الصين بالتنسيق مع حركة طالبان، خاصة في شهر سبتمبر من العام المذكور وقد زار الصين وفدا من طالبان علي آثر هذه المباحثات. وفور تولي طالبان مقاليد السلطة أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية هوا شونيينغ أن الصين “تحترم حق الشعب الأفغاني في تقرير مصيره ومستقبله” وأن بلادها تسعى لإقامة علاقات ودية مع طالبان وتستهدف المشاركة معها في إعادة أعمار أفغانستان . وعلينا التساؤل هل وجود القوات الأمريكية بأفغانستان بالقرب من التخوم الصينية أقل خطرا من وجود حكومة طالبان على الحدود الصينية أيهما أخطر مع ملاحظة وجود طالبان كقوى فاعلة ومؤثرة على الحياة في أفغانستان، حتي مع وجود القوات الأمريكية وقوات الناتو ونظام أشرف غني. وما يتطبق على الصين يتشابه بدرجة كبيرة بالنسبة لروسيا
ورغم هذه المغالطات هناك نجاحا نسبيا في قراءة الموقف الأمريكي، مما يحدث في أفغانستان. فأتفق أن هناك اتفاق ضمني أو على الأقل تقابل مصلحي بين طالبان والولايات المتحدة، وهنا أسجل بعض الملاحظات:
– اتخاذ قرار الانسحاب الأمريكي من أفغانستان هو قرار دولة المؤسسات، وليس إدارة بايدن فبدأ مع إدارة ترامب بالدوحة، وسبقه في ذلك إعلان الرئيس أوباما رغبته من الأنسحاب الأمريكي من أفغانستان، ثم نفذته إدارة بايدن.. فهل الأمر مصادفة فالثلاثة إدارات تطرح نفس الخيار الذي كان يؤجله جنرالات البنتاجون، ولكنهم لم يمنعوه حتى تم بالفعل. وظهور ترامب منتقدا بايدن ومطالبا باستقالته لا يمكن قراءته إلا في إطار تنافس شخصي.
– انسحاب القوات الأمريكية تم تداوله في وسائل الإعلام الغربية بأنه تم بشكل مفاجئ دون تنسيق سابق مع القوات الأفغانية
– قرار تسليح القوات الأفغانية كانت تشوبه احتمالات عالية بشأن إمكانية استيلاء طالبان على تلك الأسلحة وهو ما تم بالفعل
– رغم انفاق الولايات المتحدة ما يزيد عن 820 مليار دولار على تدريب القوات الأفغانية ولكن طالبان استولت على البلاد دون مقاومة تذكر من القوات الأفغانية كما يقال “دون إراقة دماء” فكيف لقوات مقاتلة أن تسلم الأرض مجانا
– الرئيس أشرف غني فر هاربا معلنا عدم رغبنه في إراقة الدماء دون دفاع يذكر مع العلم بأنه مواطن أمريكي –رغم تخليه عن الجنسية لخوض انتخابات الرئاسة الأفغانية- هو وزوجته وأبنائه خالد ومريم الذين ظلوا حاملي للجنسية الأمريكية
– تمر الولايات المتحدة في مرحلة خطيرة في تاريخها فهي تواجه تحديات بشأن صورتها كقوى عظمي تحكم وتتحكم في العالم فهل تظهر وكأنها منهزمة كما وصفها البعض بوسائل الإعلام العالمية، رغم عدم دخولها في أية مواجهات لنحكم بهزيمة قواتها على أرض المعركة.
ما ذكرته وما لم أذكره يرجح الموقف الميداني لوجود تنسيق أمريكي طالباني يهدف لخلق واقعا مختلفا ليس إقليميا فقط ولكن عالميا أيضا.
مع رفضي قراءة المشهد الآني وحصره في تصعيد أمريكي بالوكالة ضد الصين وروسيا، سأطرح تصورا مختلفا قد يرفضه البعض ولكن مشاهداته موجودة على الأرض. فك الشفرة يتجسد في ” ترويج هوية طالبان كقوى سنية، فشل الدول القومية بفعل الإرهاب، تنظيم ملة أبراهيم، تركيا ومجاهدى أدلب” أنها الإبراهيمية يا سادة.
هنا سأفسر ما طرحته في تلك العبارة الغير مفهومة
– طالبان قوى سنية صاعدة تقابل النفوذ الإيراني: سأذكر بتقرير مركز راند الصادر عام 2017 الذي يرسم شكل المنطقة بفعل الطائفية والصراع السني الشيعي ويؤكد أن مع عام 2027 ستنادي كل قرية بالانفصال بفعل ذلك الصراع، ومن ثم سيتم إعلان موت الدول القومية. فيروج البعض في الإعلام أن طالبان قوى سنية يمكن أن تجابه المد الإيراني الشيعي، بل أن البعض ينفي عنها صفقة التطرف ويصفها بالتمسك بالدين والمذهب الحنفي التقليدي فهي تنظيم ظهر لتعلم الشريعة الإسلامية ومنهم من ذهب بعيدا ليؤكد رفضه تسليم بن لادن لعدم وجود حكم شرعي لتسليم مسلم لكافر ،وكأن تجارة الأفيون والهيروين يقرها الشرع. فيتم الترويج أن ظهور طالبان سيدعم من المعسكر السني مقابل المعسكر الشيعي كي تدعمه الدول السنية في المنطقة.
– فشل الدول القومية بفعل الإرهاب الديني: من ضمن أسباب فشل الدول القومية هو الإرهاب الديني الذي يدمر الأخضر واليابس ويمنع التنمية والازدهار، وصفه بالديني كمطية لتشويه الدين الإسلامي، وأشير أيضا لتقرير صادر من مركز راند الأمريكي عام 2017 أن سلوك أتباع الدين يدل على جودة الدين؛ كمطية للحكم على الإسلام بفعل سلوك تلك التنظيمات المتشددة. وعلينا أن نتدبر لماذا تحفل منطقتنا بعصابات تحمل اسم الدين في حين أن العصابات في أمريكا اللاتينينة مثلا تسمي بالمافيا لا تتخذ أية مسحة دينية. فما اقصده أن سيطرة طالبان على حكم دولة بشكل رسمي هو بداية خطيرة لإعلان الدولة الإسلامية التي يديرها تنظيم إسلامي محظور؛ أو إرهابي كما تصنفه الإدارة الأمريكية، ومتوقع أن يرحب بغيره من التنظيمات الدينية المتطرفة كالقاعدة التي مازالت تتواجد على الأرض الأفغانية.
– تركيا: دخلت تركيا أفغانستان مع قوات الناتو وشاركت بتامين المطار الذي يربط الدولة الحبيسة بالعالم، ورغم رفض طالبان بقاء القوات الأجنبية بأفغانستان إلا أن تركيا تسعي لاستغلال التقارب الباكستاني الطالباني للقبول بالتواجد التركي وما تسعى للقيام به. فتخطط تركيا لنقل مجاهدى أدلب – بحسب التقديرات- إلى أفغانستان وتستقبل اللاجئين الأفغان بالأراضي التركية – مكررة سيناريو اللاجئين السوريين، وما حققته من مكاسب باستغلالهم للزحف نحو أوروبا ومن ثم تمكنت من ابتزازها. وتحاول الأن ابتزاز الصين بنقل مجاهدى الإيغور الداعشيين من أدلب إلى أفغانستان لتهديد، وابتزاز الصين خاصة أن الصين تشترك مع أفغانستان في حدود أقليم شينجيانج الذي يمتاز بأغلبية من الإيغور ذات القومية التركية وما تمثله من تهديد للسيادة الصينية ومطالبات متكررة بالانفصال.
أما ملة إبراهيم فهى الخطوة الأخطر التي ستجعلني أعيد توجيه نظر القارئ الكريم للنقاط السابقة ولكن بصورة مغايرة.
ملة إبراهيم هو تنظيم إرهابي أعلن من قبل تنفيذه لهجمات كنيسة سريلانكا في عيد الفصح في أبريل 2019 متزامنة مع ضرب مسجد بنيوزيلاندا، على يد متطرف مسيحي يستخدم عبارات متطرفة تذكرنا بالحروب الصليبية متزامنة مع إعلان ترامب عن صفقة القرن. وكأن حدوثهما متزامنين ليمهد لمشترك يقرب بين الأديان والمعتقدات للتخلص من الأصولية، يدعوا للتسامح والأخوة المزعومة. وما أقصده الإبراهيمية المزعومة كمكون رئيسي من الصفقة الذي لم يكشف عنه الأمريكان، إلا في انفاقيات التطبيع الإبراهيمي في عهد ترامب ثم توريتها عمدا في عهد بايدن لأسباب أخرى سأطرحها لاحقا.
والسؤال هنا ما علاقة ملة أبراهيم بطالبان وكيف تكون فكا للشفرة؟
هنا سأبدأ بالتفسير عبر الكشف عن هوية التنظيم هو جزء من جمعية ملة إبراهيم أحد أبرز أذرع تنظيم داعش الإرهابي؛ التي تأسست عام 2011 بألمانيا بمسجد زولينغن شمال ولاية الراين. وسرعان ما أصبحت احد ابرز الجماعات الارهابية بالمانيا، مما دفع الحكومة الألمانية لتصنيفها بالإرهابية وحظرت نشاطها. وقد تأسست على يد محمد محمود الملقب بـ “أبو أسامة الغريب” المولود في النمسا. وبعد حظرها ظهرت من صلبها جماعات أخرى مثل “النصرة والتوحيد” و”التوحيد الجيرماني” لاستكمال مسيرة المنظمة الأم المحظورة وتعلي هاتين المنظمتين الجهاد العنيف كنفس نهج داعش بالعراق وسوريا وفقا لبيان وزارة الداخلية الألمانية عام 2015. ويذكر ان تنظيم ملة أبراهيم هو تنظيم سلفي أصولي مستمد فكره من كتاب ملة أبراهيم لأبو محمد المقدسي – من اصول فلسطينية اردينية- الأب الروحي لفكر الحركة السلفية الجهادية عالميا بما فيها تنظيم القاعدة بالعراق “أبو مصعب الزرقاوي| ويؤمن ايمن الظواهري بنفس فكر المقدسي خاصة بشان الجهاد كفريضة لمجابهة الطاغية . تمتلك هذه الجماعة علاقات شبكية مع حركة الشريعة بأوروبا التي تقع في المملكة المتحدة والدنمارك وتمتاز ملة أبراهيم بأنها منظمة عابرة للحدود ويذكر أن العديد من أعضاء المنظمة سافروا لسوريا والعراق للانضمام لتنظيم الدولة داعش علاوة إلى جماعات دولية أخرى في بلجيكا والدينمارك وفرنسا وبريطانيا. وتجدر الإشارة أن أبو أسامة الغريب سافر لسوريا عبر الأراضي التركية عام 2014.

ومن المهم الإفادة بأن بداية الإشارة لعلاقة ملة إبراهيم بالقاعدة كانت عام 2012 عندما ظهر أبو إسامة على اليوتيوب في فيديو يحرض للثأر من اساءة معاملة “عفيفة صديقي التي انضمت للقاعدة عام 2003، وتم القبض عليها عام 2008 في الدانيمارك.. ويذكر أن فرع ملة أبراهيم بالدانيمارك أعلن ولاءه لتنظيم داعش بقيادة أبو بكر البغدادي عام 2014- 2015 عبر فيديوهات على اليوتيوب.
وتمثل ملة أبراهيم تطبيقا للفكر الجهادي والأفكار الأصولية التي تنادي بها القاعدة وداعش
ولكن ما علاقة تنظيم ملة أبراهيم بتصعيد طالبان لسدة الحكم بأفغانستان سأذكر بدراسة دانيال كامبل بعنوان الولايات المتحدة الإبراهيمية الاتحاد الفيدرالي؛ المزمع إقامته على أنقاض الدول القومية× بعد إعلان وفتها بفعل الإرهاب والصراع السني الشيعي. فالإرهاب الجهادي أداة لتشويه الإسلام والحكم السلبي عليه خاصة أن المقدسي استعمل رمزية نبي الله إبراهيم أكثر من مرة للتأصيل للجهاد الأصولي السلفي. الأمر الذي يستخدم الأن للترويج للوصول لمشترك إبراهيمي للقضاء على الأصولية والتعايش والأخوة عبر الالتفاف حول شخص النبي إبراهيم رسول الله، وإعادة قراءة النص الديني وتفسير المعاني السرية لكل حرف من حروف الكتب المقدسة لتحقيق السلام الديني العالمي للقضاء على التعصب الديني بعد كفر الناس من تلك الأفكار الأصولية للوصول لمشترك يكفل التعايش ولكن يحقق مصالح الشعوب الأصلية التي يتفق عليها رجال الدين عبر إعادة قراءة النص الديني. وهذا الاتحاد سيمثل ضرورة بفعل الدمار والخطر الذي سببه الإرهاب والصراع الطائفي وتغير المناخ في ظل امتلاك موارد نادرة وغياب حوكمة إدارة المورد لذا ستكون السلطة الفيدرالية في يد من يمتلك تكنولوجيا ترشيد المورد وهنا تطرح إسرائيل ثم تركيا.
وهنا أذكر تركيا التي ترغب مستميتة في البقاء في أفغانستان والتقارب مع طالبان وتصعيد ملف الايغور وربط داعش سوريا والعراق بالأحداث في أفغانستان، والواقع أيها السادة أن تركيا تتدخل بقوة في الساحات التي لا تقبل فيها تدخل إسرائيل كوجهان لعملة واحدة ليتحقق الهدف من ورائها.
هنا قد يتسأل البعض وما دخل إسرائيل بأفغانستان سأذكركم بمشروع الشرق الأوسط الكبير ومشروع الشرق الأوسط الجديد، فكلاهما كانت أفغانستان حاضرة فيهما بفعل موقعها وما تمتلكه من موارد نادرة. فهي حاضرة في عقلية المخطط الإسرائيلي والأمريكي..
من هنا قد نجد أن المخطط الإبراهيمي أمريكي الصنع سيتسارع بتولي طالبان مقاليد الحكم لتولي مقاليد دولة مؤهلة لاحتضان غيرها من التنظيمات السلفية الجهادية كداعش والقاعدة، حتى مع تصريحات الجانب الأمريكي. أن طالبان لن تتعاون مع داعش ولكنها تقرأ في إطار تحسين صورة طالبان عالميا لقبولها في ظل رفض الرأي العام الدولي خاصة الأوروبي والأمريكي لكننا علينا الفصل بين الساسة وأجهزة المخابرات الغربية والأمريكية والشارع الغربي والأمريكي، فما أطرحه خطط مستقبلية تحاك في الظلام للإسراع لقلب العالم وبسط النفوذ الأمريكي والغربي برعب جديد.
ويذكر في هذا السياق أن المخابرات الألمانية قد كشفت عن أن معظم ناشطي جماعة ملة أبراهيم، انتقلوا من ألمانيا إلى مصر أثناء حكم جماعة الإخوان ليمارسوا نشاطهم المتشدد بحرية أكبر، مما يعني أنتشار تلك التنظيمات وسهولة دخولها وتغولها عربيا وإسلاميا فالساحة الجديدة لتلك التنظيمات ستكون بالمنطقة العربية ثم أفريقيا. فلا ننسي نشاط داعش والقاعدة في الصومال وسوريا واليمن والعراق وليبيا.
المحك هنا أن تعي طالبان الدرس فوجودها كأداة في يد المخابرات الأمريكية للقضاء على الدول العربية والإسلامية لتحويلها للقمة سائغة تبلع في المخطط الإبراهيمي الجديد صفقة القرن باقتدار.
فربما ما ذكرته قد يستبعده البعض ولكنه هو الأقرب وفقا لنتاج بحثي، والذي امتد لما يزيد عن أربع سنوات مدعومة بالوثائق (انظر كتاب: الدبلوماسية الروحية والمشترك الإبراهيمي المخطط الاستعماري للقرن الجديد 2021) لفك شفرة الهروب الأمريكي من ساحة المعركة دون سابق إنذار وتفضيلها الظهور بمظهر المتخاذل المهزوم لإبعاد الأنظار، الأمر الذي برعب فيه إدارة بايدن منذ حذفها لكلمة الإبراهيمية من اتفاقيات السلام الإبراهيمي بين إسرائيل والإمارات والمغرب والسودان والبحرين، بسبب كشف المخطط ورفضه شعبيا خاصة بعد مسحته السياسية المرفوضة، بسبب ارتباطه بإسرائيل في ظل عدم اكتمال شبكة المخطط من الاتباع والأعوان والأحداث الداعمة التي سرعان ما تكتمل لنرى شكل جديد للمنطقة والتفاعلات الإقليمية.
فعلينا ان نعي الدرس ونفهم ما يحاك في الخفاء..


0 ردود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بحث




الحصول على آخر الأخبار تسليمها يوميا!

سنرسل إليك الأخبار العاجلة في صندوق البريد الوارد


© 2018 altaqarub, Inc. Privacy policy